علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

229

ثمرات الأوراق

ومنه : وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلّا لأنّ طرسه محراب ، ولا أنّها سمّيت خرسا إلّا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصّواب ، ولا أنها اضطجعت إلّا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه من مرقدها ، ولا سوّدت رؤوسها إلّا لأنّها أعلام عبّاسيّة تناولتها الحضرة بيدها ، لا جرم أنّها تحمي الحمى ، وتسفك دما وتحقن دما ، وتتّشح بها يده عنانا « 1 » ، وترسلها فتعلم الفرسان أن في الكتّاب لفرسانا ، وتقوم الخطباء بما كتبت تعلّم الألسنة أنّ في الأيدي كما في الأفواه لسانا . قلت : ومن مخترعاته قوله : وإن ادّعى سحر البيان أنّه يقضي أيسر حقوقه ، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه ؛ لكنت أفضح باطل سحره ، وأذيقه وبال أمره ، وأصلب الخواطر السّحارة على جذوع الأقلام ، وأعقد ألسنتها كما يعقد السّحرة الألسنة عن الكلام . ومن إنشائه في وفاء النيل المبارك عن الملك النّاصر صلاح الدين نوّر اللّه ضريحه : نعم اللّه سبحانه وتعالى من أضوئها بزوغا ، وأضفاها سبوغا ، وأصفاها ينبوعا ، وأسناها منفوعا ، وأمدّها بحر مواهب ، وأضمنها حسن عواقب ، النعمة بالنيل المصريّ الذي يبسط الآمال ويقبضها مدّه وجزره ، ويربي النّبات حجره ، ويحيي مطلقه الحيوان ، وتجني ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان ، وينشر مطويّ حريرها وينشر مواتها ، ويوضّح معنى قوله عزّ وجلّ : وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] . وكان وفاء النيل المبارك تاريخ كذا فأسفر وجه الأرض وإن كان تنقّب ، وأمن يوم بشراه من كان خائفا يترقّب ، ورأينا الإبانة عن لطائف اللّه تعالى التي حقّقت الظّنون ، ووفّت بالرّزق المضمون إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * [ النحل : 79 ] . وقد أعلمناك لتوفّي حقّه من الإذاعة ، وتبعده من الإضاعة ، وتتصرّف « 2 » على ما نصرفك من الطّاعة ، وتشهر ما أورده البشير من البشرى بإبانته ، وتمدّه بإيصال رسمه مهنئا على عادته . * * * ابن حجّة ورسم لي في الأيام المؤيّديّة ، وأنا منشئ الديوان الشّريف المؤيّديّ سنة تسع عشرة وثمانمائة ه أن أنشئ رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها ممّن تقدّمني من المنشئين بالديار المصرية ؛ حتى إنّ المقرّ الأشرف المرحوميّ القاضويّ النّاصريّ محمد بن البارزيّ الجهنيّ الشافعيّ - سقى اللّه ثراه - قرأ على المسامع الشّريفة هذه

--> ( 1 ) « عيانا » . ( 2 ) في ط « وتتعرف » .